
كثيرا ما يُطرح عليَّ سؤال سابق لأوانه بثلاث سنوات على الأقل، وهناك من يذكرني ـ عند طرحه لهذا السؤال ـ بمقال استشرافي نشرته في العام 2018 عن رئيس موريتانيا القادم في العام 2019، ووفقتُ فيه ـ بفضل الله ـ إلى حد كبير. فهل التوفيق في ذلك المقال يسمح لي بإعادة التجربة، والمجازفة بمحاولة الإجابة في وقت مبكر جدا على أولئك الذين طرحوا عليَّ السؤال السابق لأوانه: من سيكون رئيس موريتانيا في العام 2029؟
في العام 2018 لم يكن يفصلنا عن الانتخابات الرئاسية إلا عام واحد، وكانت معالمها في تلك السنة قد أصبحت واضحة إلى حد بعيد، ولذلك فلم يكن من الصعب استشراف رئيس موريتانيا القادم، فالراجح حينها أن المعارضة لن تتقدم بمرشح توافقي قوي مما يعني أنها لن تكسب رئاسيات 2019. أما بخصوص النظام، فعلى طول فترة حكم الرئيس السابق، كان هناك دائما "الرجل الثاني"، وهو الرئيس الحالي الذي تُجمع الأغلبية على أنه هو الأحق بالرئاسة في العام 2019، فهو خيار المؤسسة العسكرية الأول بل الوحيد، وهو محل اطمئنان دبلوماسي لدى دول المنطقة ولدى الدول الغربية أيضا، وهو بالإضافة إلى كل ذلك يحظى بثقل ودعم شعبي واسع، حتى خارج الأغلبية، وبالتالي فقد كان احتمال ترشيحه من أقوى الاحتمالات، وكان احتمال فوزه في الانتخابات ـ إن ترشح ـ شبه مؤكد، ولذلك فلم أكن بحاجة للكثير من القدرات الاستشرافية، لأن أتوقع في العام 2018 أن رئيس موريتانيا في العام 2019 سيكون على الراجح فخامة الرئيس محمد الشيخ الغزواني.
وعلى العكس مما كان قبل العام 2019، فإن الأمور لن تكون سهلة بالنسبة للأغلبية في الانتخابات الرئاسية القادمة، فإذا كان النظام قد وُجِد به منذ العام 2008 من يمكن أن نصفه ب "الرجل الثاني"، والذي لن يطرح ترشيحه أي إشكال داخل الأغلبية، لأن الجميع كان يتفق على أنه هو الأجدر بتولي الرئاسة في العام 2019، فإن الحاصل حاليا، هو أنه لم تظهر حتى الآن داخل النظام القائم حاليا، أي شخصية يمكن أن نمنحها صفة الرجل الثاني في النظام الذي يسلم له الجميع داخل الأغلبية بأحقيته في الترشيح، وتولي الرئاسة في العام 2029.
صحيح أنه توجد حاليا شخصيات في النظام يمكن أن نصفها بأنها تشكل أركانا قوية فيه، وقد يكون من بينها من يطمح للترشيح أو الترشح في العام 2029، ولكن الصحيح أيضا أنه لا أحد من تلك الشخصيات ارتقى إلى مرتبة الرجل الثاني في النظام، وهي المرتبة التي تؤهله لأن يكون مرشحا توافقيا للنظام، وفي ظل غياب ذلك المرشح التوافقي، فإن مرشح النظام في العام 2029 قد لا يحصل على إجماع داخل الأغلبية، بل إنه قد يجد منافسين جديِّين من داخل الأغلبية نفسها مما قد يصعب فوزه.
كان النظام في العام 2019 يمتلك جوابا واضحا على سؤال الخلافة، ولكني لا أعتقد أنه سيمتلك جوابا بنفس الوضوح في العام 2029، لغياب "الرجل الثاني"، وهذا وحده يصنع فارقا كبيرا بين رئاسيات 2019 ورئاسيات 2029، ولن يكون هذا هو التحدي الوحيد الذي سيواجهه النظام في العام 2029، بل إن هناك تحديا آخر لم يكن مطروحا في العام 2019.
فإذا ما بقي الوضع القانوني للرئيس السابق على ما هو عليه حتى الانتخابات الرئاسية القادمة، فسيعني ذلك أنها ستجري في ظل وجود رئيس سابق في السجن، على العكس مما كان حاصلا في العام 2019، وبطبيعة الحال، فإن ذلك سيلقي بظلاله الثقيلة على تلك الانتخابات، وسيجعل من سلاسة التناوب السلمي على السلطة، أكثر تعقيدا مما كانت عليه في العام 2019.
وفي الجانب الآخر، وعلى مستوى المعارضة، فإن أمورها ستزداد سوءا عما كان عليه حالها في العام 2019، وستكون حظوظها في الفوز في انتخابات 2029 أضعف بكثير مما كانت عليه حظوظها الضعيفة أصلا في العام 2019، فالمعارضة قبل العام 2019 كانت قادرة دائما على أن تتوحد في تكتلات كبرى (الجبهة، المنسقية، المنتدى..إلخ)، ولم تكن هذه التكتلات الكبرى تتفكك إلا قبيل الحوارات، أو خلال المواسم الانتخابية. ومنذ العام 2019، أي منذ وصول الرئيس الحالي للسلطة، ظلت المعارضة تعاني من التفكك والتشظي حتى من قبل أن يعلن عن حوار أو أن تكون هناك انتخابات، فهي منقسمة اليوم إلى ثلاثة تكتلات في غاية الهشاشة، وعاجزة حتى الآن عن إصدار بيانات أو تنظيم مهرجانات ومسيرات تحت عنوان واحد وموحد، وذلك مما يعكس تراجعا كبيرا في قدرتها على التنسيق والعمل المشترك.
فإذا كانت المعارضة قد عجزت عن التقدم بمرشح توافقي أو رئيسي على الأقل في العام 2019، وهذا أحد أهم الشروط التي لابد من توفرها لوصولها إلى السلطة (سأتحدث ـ إن شاء الله ـ في حلقة من هذه السلسلة عن بقية الشروط)، فإنها ـ أي المعارضة ـ ستكون أكثر عجزا عن التقدم بمرشح توافقي أو حتى رئيسي في العام 2029، وذلك حسب ما تقوله كل المؤشرات المتاحة حاليا، مما يعني أن احتمال وصولها إلى الرئاسة سيكون أكثر استبعادا في العام 2029 مما كان عليه حالها في العام 2019.
خلاصة القول، للإجابة على السؤال العنوان، هي أن غياب الرجل الثاني في النظام، وضعف احتمال ـ إن لم أقل استحالة ـ أن تتقدم المعارضة بمرشح توافقي، هما ملمحان بارزان سيُصَعِّبان كثيرا من تقديم استشراف يتسم بالموضوعية والدقة، في مثل هذا الوقت المبكر جدا، عن رئيس موريتانيا في العام 2029. حتى الآن ما زالت مساحة المجهول أكبر بكثير من مساحة المعلوم في كل ما يتعلق برئاسيات 2029.
في الحلقة القادمة من هذه السلسلة، سنبدأ ـ إن شاء الله ـ في الحديث عن المعارضة، وأسباب فشلها في الوصول إلى السلطة، وسأكشف عن بعض محطات فشلها التي كنتُ شاهدا عليها، لأختم الحديث عنها بتقديم جملة من الشروط التي لابد من أن تتوفر فيها إذا ما أرادت أن تكون منافسا قويا في رئاسيات 2029. وبعد الانتهاء من الحديث عن المعارضة، سنفتح كتاب النظام وأغلبيته، وفي ذلك الكتاب الكثير مما يُقال.
وأختم بالقول إني قررتُ كتابة ونشر هذه السلسلة، نظرا لعدم تمكني من إصدار الجزء الثاني من كتب سلسلة الإصلاح في موريتانيا الذي كان سيخصص للمعارضة، والجزء الثالث الذي كان سيخصص للأغلبية، وذلك بسبب انشغالات ضاغطة حالت دون إعداد محتواهما وإصدارهما بعد ذلك.
سأحاول أن أقدم خلاصات ما كنتُ سأنشره في الكتابين عن المعارضة والأغلبية، من خلال هذه السلسلة، والتي أرجو أن تكون مفيدة للطرفين في الأغلبية والمعارضة.
يتواصل إن شاء الله..
حفظ الله موريتانيا..
[email protected]

.jpg)



