
واصل برشلونة عروضه ونتائجه المخيبة لآمال مشجعيه في الآونة الأخيرة، وصلت الى حد التجرع من مرارة الهزيمة أمام الشقيق الأصغر العاق جيرونا بنتيجة 1-2 في مباراة عطلة نهاية الأسبوع الماضي في الدوري الإسباني، ليفقد المدرب هانزي فليك ورجاله صدارة الليغا للمرة الأولى هذا العام، بعد تجمد رصيدهم عند 58 نقطة، متأخرين بنقطتين عن الغريم الأزلي ريال مدريد، الذي واصل صحوته المتأخرة تحت قيادة مدربه المؤقت ألفارو أربيلوا، بانضمام ريال سوسييداد إلى قائمة ضحايا اللوس بلانكوس في فترة ما بعد رحيل تشابي ألونسو، وقبلها بأيام تعد على أصابع اليد الواحدة، كان البارسا قد انحنى خارج قواعده أمام أتلتيكو مدريد بنتيجة 0-4 في أمسية «مترو بوليتانو» في ذهاب الدور نصف النهائي لبطولة كأس ملك إسبانيا، وهو ما ساهم بشكل أو بآخر في إحياء الإشاعات التي تشكك في مستقبل المدرب الألماني في «كامب نو»، والأخطر من ذلك ما يُشاع حول توتر علاقته باللاعبين وتآكل سلطته داخل غرفة خلع الملابس، والسؤال الذي يفرض نفسه في هذه الأثناء هو: لماذا اهتز أداء البلو غرانا ونتائجه بهذه الطريقة الصادمة بالنسبة لعشاقه؟ ومن المسؤول الأول عن هذا الخلل؟ وهل من الممكن أن تعود الأمور إلى نصابها الصحيح قبل فوات الآن؟ دعونا نستعرض الإجابة من خلال هذا التقرير.
الإفلاس والعناد
صحيح الليلة الظلماء أمام الهنود الحمر كانت كاشفة لكل عيوب ومشاكل الفريق منذ الفوز المظفر الذي تحقق على حساب ريال مدريد في المباراة النهائية للكأس السوبر الإسبانية الشهر الماضي، لكن أغلب المصادر والتقارير المسربة من داخل مكاتب «خوان غامبر»، تشير إلى غضب الرئيس جوان لابورتا ومجلسه المعاون مما وصفته منصىة «إلباييس» الإسبانية بـ«الإفلاس التكتيكي»، الذي يعاني منها الفريق في موسم فليك الثاني على رأس الجهاز الفني، متمثلا في فشل المدرب في إيجاد حلول أو تعويض الغيابات المؤثر في وسط الملعب والهجوم، وفي القلب منهم مهندس الوسط بيدري وبدرجة أقل نجم الموسم الماضي رافينيا والقادم من مانشستر يونايتد على سبيل الإعارة ماركوس راشفورد، وهذا الأمر كان واضحا وضوح الشمس في ظهيرة الصيف أمام الأتلتي، إذ بدا الفريق وكأنه عاجز عن تطبيق الضغط الذي من المفترض أنه واحد من أهم مميزات برشلونة فليك، ناهيك عن الانكشاف الصادم على مستوى الدفاع، والذي سمح لجوليانو ألفاريز وأنطوان غريزمان والبقية بالتنزهة بكل راحة وأريحية داخل منطقة الجزاء، وهو ما أدى في النهاية إلى الهزيمة المذلة أمام فريق دييغو سيميوني، وما زاد الطين بلة، أن الأحوال لم تتحسن كثيرا في المباراة التالية أمام جيرونا التي شهدت عودة بوصلة منظومة الضغط رافينيا، وتجلى ذلك في الفرص السهلة التي أهدرها اللاعبون نتيجة التسرع الزائد في اللمسة الأخيرة أمام المرمى، بما في ذلك ركلة الجزاء التي أضاعها لامين يامال في الشوط الأول، وتسديدات السهم البرازيلي التي كانت تمر بغرابة شديدة بجوار القائمين وفوق العارضة، وهو ما شكل صدمة للاعبين ومجلس إدارة النادي، على اعتبار أن المدرب الألماني هو كبش الفداء، بسبب عناده وأصراره على اللعب بنفس أفكاره الهجومية الانتحارية، حتى في غياب الركائز الأساسية القادرة على تنفيذ هذه الأفكار، خاصة أمام الخصوم الذين يملكون من الجودة والكفاءة ما يكفي لضرب مصيدة تسلل فليك.
كارثة وانفجار
كانت صحيفة «ذا أثلتيك» سباقة، في الكشف عن أول صدام بين المدرب الألماني وبين اللاعبين منذ توليه المهمة خلفا للمايسترو تشافي هيرنانديز في صيف 2024، حيث خلصت المنصة البريطانية إلى شعور العديد من اللاعبين بحالة من الإحباط وعدم القدرة على فهم إستراتيجية فليك، التي تجعلهم فريسة سهلة للمنافسين عندما يغيب المبدع بيدري على وجه التحديد، أو بالأحرى تظهر هذه الإشكالية عندما يراهن المدرب على الثلاثي فرنكي دي يونغ وداني أولمو وفيرمين لوبيز، كثلاثي يغلب عليه الطابع الاندفاعي الهجومي، وهذا ما يفسر الإيقاع الزائد على الحد في وسط الملعب، وفي نفس الوقت يوضح أسباب مشاكل التسرع في إنهاء الهجمات، وقبل هذا وذاك سهولة ضرب الدفاع بتمريرة واحدة أو اثنتين في الهجمات المعاكسة، بتلك الطريقة التي كان يصل فيها أتلتيكو مدريد بخمسة وستة مهاجمين على أربعة مدافعين فقط في آخر 30 مترا في الملعب، وسط شعور سائد داخل غرفة خلع الملابس، بأن المدرب يُصر على تكرار نفس الأخطاء التي أدت إلى تراجع الفريق إلى المركز الثاني في جدول ترتيب أندية الليغا، والآن أصبحت مهمة شبه مستحيلة لقلب الطاولة على فريق دييغو سيميوني في ملحمة نصف نهائي «كامب نو»، أو كما تقول منصة «إلباييس»، هناك شعور عام داخل غرفة خلع الملابس وفي مكاتب المسؤولين، بأن المدرب الستيني لا يملك خطة بديلة حين يفتقد بيدري وبعض عناصره الأساسية أو عندما يتحول إلى كتاب مفتوح أمام المنافسين، وهو ما يثير المخاوف هناك في الإقليم الثائر بأن تكون الهزة الحالية علامة أو إشارة إلى احتمال حدوث كارثة مع نهاية الموسم، وذلك بطبيعة الحال لاستحالة منافسة الريال على الصدارة بهذه المنظومة أو الشكل الدفاعي، الذي يجعل الفريق يستقبل هدفين بمنتهى السهولة أمام جيرونا، فما بالك عندما يبدأ في مقارعة عمالقة القارة في مراحل خروج المغلوب في دوري أبطال أوروبا.
المعادلة الصعبة
لا يُخفى على أحد، أن برشلونة فليك ذاع صيته الموسم الماضي على الجمع بين الشجاعة والروح القتالية وبين الإبداع والحلول العبقرية لرافينيا ولامين يامال والبقية في الهجوم، لكن في الآونة الأخيرة، يُنظر إلى نفس الفريق على أنه يفتقر أو يُدرك الفرق الجوهري بين الشجاعة وبين التهور، وذلك بطبيعة الحال بعد فقدان واحدة من أهم مميزاته، وهي العودة بكل قوة وشراسة حتى لو تأخر الفريق بهدفين كما حدث أمام الإنتر في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا والعديد من المعارك الحاسمة محليا وقاريا الموسم الماضي، حتى بلغة الأرقام والإحصائيات، بدأت تميل لكفة المشككين في نجاح فليك في تكرار إنجازات الموسم الماضي العظيمة، أو كما يُتهم دوما بأنه من نوعية مدربين الموسم الواحد، بوصول عدد الأهداف التي استقبلتها الشباك لنحو 116 هدفا في 97 مباراة تحت قيادة المدرب الحالي في مختلف المسابقات، بمعدل كارثي يصل لنحو 1.2 هدف في المباراة الواحدة، مقارنة بحقبة الفيلسوف بيب غوارديولا التي لم تصل النسبة لأكثر من 0.81% هدف في المباراة الواحدة، والجديد التراجع الملحوظ في فاعلية المهاجمين في اللمسة الأخيرة أمام المرمى، مثل الاكتفاء بأربع محاولات فقط بين القائمين والعارضة من أصل 13 فرصة أمام أتلتيكو مدريد، والأسوأ على المستوى الدفاعي، ما نشاهده من سهولة في استغلال المساحات الشاغرة خلف الظهيرين بالدي وكوندي، رغم تعاقده مع البرتغالي جواو كانسيلو على سبيل الإعارة، لإعطاء إضافة أو حلول مختلفة في أحد المركزين، في ظل قدرة القادم من الهلال على شغل المركزين بنفس الجودة والكفاءة، لكن إلى الآن لم يحصل على فرصته من قبل فليك، ضمن عناد المدرب الذي جلب له العديد من التساؤلات بمجرد أن اهتزت النتائج في آخر أسبوعين، والحل الوحيد؟ أن يبدأ في التفكير خارج الصندوق حتى عندما يستعيد ركائزه الأساسية الغائبة بداعي الإصابة، بدلا من الإصرار على نفس الأفكار البراغماتية، بالرهان على لاعبين بمواصفات مختلفة تماما عن العناصر الأساسية المعتادة على تطبيق إستراتيجية المدرب، ولو أن كل ما سبق، لا يعفي لامين يامال وفيرمين لوبيز وجُل الأسماء القادرة على صنع الفارق من المساءلة، في ظل الهبوط الجماعي غير المسبوق في مستوى جُل اللاعبين، أو بعبارة أخرى أكثر صراحة باستثناء الحارس جوان غارسيا، الذي لولا حفاظه على تألقه وتصدياته الفردية المذهلة، لخرج الفريق بهزائم تندرج تحت مسمى «فضائح كروية»، فهل يا ترى سينجح فليك في إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح بعد عودة كتيبة المصابين في الأيام والأسابيع القليلة القادمة؟ أم سيستمر مسلسل نزيف النقاط في حملة البحث عن الاحتفاظ بلقب الدوري الإسباني للمرة الثانية على التوالي تمهيدا لما هو أسوأ أمام الهنود الحمر في إياب كأس الملك وإقصائيات دوري الأبطال؟ دعونا ننتظر رد فعل فليك.

.jpg)


